الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

340

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

ولدخول العسرى ، أي سنعجّل به ذلك . والمعنى : سنجعل دخول هذه الجنة سريعا ودخول الآخر النار سريعا ، بشبه الميسّر من صعوبة لأن شأن الصعب الإبطاء وشأن السهل السرعة ، ومنه قوله تعالى : ذلِكَ حَشْرٌ عَلَيْنا يَسِيرٌ [ ق : 44 ] ، أي سريع عاجل . ويكون على هذا الوجه قوله : فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرى مشاكلة بنيت على استعارة تهكمية قرينتها قوله : « العسرى » . والذي يدعو إلى هذا أن فعل « نيسر » نصب ضمير مَنْ أَعْطى وَاتَّقى وَصَدَّقَ ، وضمير مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنى وَكَذَّبَ ، فهو تيسير ناشئ عن حصول الأعمال التي يجمعها معنى اتَّقى أو معنى اسْتَغْنى ، فالأعمال سابقة لا محالة . والتيسير مستقبل بعد حصولها فهو تيسير ما زاد على حصولها ، أي تيسير الدوام عليها والاستزادة منها . ويجوز أن يكون معنى الآية : أن يجعل التيسير على حقيقته ويجعل اليسرى وصفا أي الحالة اليسرى ، والعسرى أي الحالة غير اليسرى . وليس في التركيب قلب ، والتيسير بمعنى الدوام على العمل ، ففي « صحيح البخاري » عن علي قال : « كنا مع رسول اللّه في بقيع الغرقد في جنازة فقال : ما منكم من أحد إلا وقد كتب مقعده من الجنة ومقعده من النار ، فقالوا : يا رسول اللّه أفلا نتكل ؟ فقال : اعملوا فكل ميسّر لما خلق له . أما أهل السعادة فييسّرون لعمل أهل السعادة ، وأما أهل الشقاء فييسرون لعمل أهل الشقاء ، ثم قرأ : فَأَمَّا مَنْ أَعْطى وَاتَّقى * وَصَدَّقَ بِالْحُسْنى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرى * وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنى * وَكَذَّبَ بِالْحُسْنى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرى ا ه . فصدر الحديث لا علاقة له بما تضمنته هذه الآية لأن قوله : « ما من أحد إلا وقد كتب مقعده » إلخ معناه قد علم اللّه أن أحدا سيعمل بعمل أهل الجنة حتى يوافي عليه ، أو سيعمل بعمل أهل النار حتى يوافي عليه ، فقوله : « وقد كتب مقعده » جعلت الكتابة تمثيلا لعلم اللّه بالمعلومات علما موافقا لما سيكون لا زيادة فيه ولا نقص ، كالشئ المكتوب إذ لا يقبل زيادة ولا نقصا دون المقول الذي لا يكتب فهو لا ينضبط . فنشأ سؤال من سأل عن فائدة العمل الذي يعمله الناس ، ومعنى جوابه : أن فائدة العمل الصالح أنه عنوان على العاقبة الحسنة . وذكر مقابله وهو العمل السيّئ إتماما للفائدة ولا علاقة له بالجواب . وليس مجازه مماثلا لما استعمل في هذه الآية لأنه في الحديث علق به عمل أهل